عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
107
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
النية ، ثم قال : ارجعي الآن ، فإنك تبلغين الغرض . وعقد على نفسه أن لا يفعل ما نواه ، فخرجت الصبية ومعها ما شاءت من ماء السكر ، وهي مستبشرة ، فقال السلطان للواعظ : لم لا تذكر للرعية أن كسرى اجتاز على بستان فقال للناطور : ناولني عنقوداً من الحصرم ؟ فقال له : ما يمكنني ذلك ، فإن السلطان لم يأخذ حقه ، ولا يجوز خيانته ، فتعجب الحاضرون من مقابلته بمثلها ، ومعارضته بما أوجب الحق له ما أوجب الحق عليه . وحكي أن مغنية أحضرت إليه - وهو بالري فأعجب بها ، واستطاب غناها ، فهم بها ، فقالت : يا سلطان ، إني أغار على هذا الوجه الجميل أن يعذب بالنار ، وإن الحلال أيسر ، وبينه وبين الحرام كلمة ، فقال : صدقت ، واستدعى القاضي ، فزوجها منه ، وابتنى بها ، وتوفي عنها ، وعيون محاسنه أكثر من أن تحصى . وحكى الهمداني أن نظام الملك - الوزير - دفع للملاحين الذين عبروا بالسلطان والعسكر نهر جيحون على العامل بأنطاكية ، وكان مبلغ أجرة المعابر أحد عشر ألف دينار ، وذلك لسعة المملكة . وتزوج الإمام المقتدي بأمر الله - أمير المؤمنين - ابنة السلطان المذكور ، وكان السفير في الخطبة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي ، المهذب والتنبيه - رحمه الله - وأنفذه الخليفة إلى نيسابور لهذا السبب - فإن السلطان كان هناك - فلما وصل إليه أدى الرسالة ، ونجز الشغل . قال الهمداني : وعاد الشيخ أبو إسحاق إلى بغداد في أقل من أربعة أشهر ، وناظر إمام الحرمين بنيسابور ، فلما أراد الانصراف من نيسابور ، خرج إمام الحرمين للوداع ، وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق . وظهر له في خراسان منزلة عظيمة . وكانوا يأخذون التراب الذي وطأته بغلته ، فيتبركون به ، كما تقدم . وكان زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة في سنة ثمانين وأربع مائة ، وفي صبيحة دخولها عليه أحضر الخليفة المقتدي عسكر السلطان على سماط صنعه لهم ، كان فيه أربعون ألف من عسكر . وفي بقية هذه السنة رزق الخليفة ولداً من ابنة السلطان ، سماه أبا الفضل جعفر ، زينت بغداد لأجله ، وكان السلطان قد دخل بغداد دفعتين ، فهي من جملة بلاده التي تحتوي عليها مملكته ، وليس للخليفة فيها سوى الاسم ، وخرج منها في الدفعة الثانية على الفور إلى نحو دجيل لأجل الصيد ، فاصطاد وحشاً وأكل من لحمه ، فابتدأت به العلة ، وافتصد ، فلم يكثر من إخراج الدم ، فعاد إلى بغداد مريضاً ، ولم يصل إليه أحد من خاصته ، فلما دخلها توفي ثاني يوم دخوله ، وحمل في تابوت إلى خراسان ، ولم يفعل له كغيره من السلاطين ،